الأقسام الاخبارية و الثقافية
  • أخبار عاجلة
  • أخبار محلية
  • أخبار عربية ودولية
  • بيانات
  • التقارير
  • حوارات ولقاءات
  • التحاليل
  • الثقافة
  • آراء و مقالات
  • وثائق ومستندات
  • بشائر النصر
  • نشرة الحقيقة
  • فيديو
     
  • القائمة الرئيسية
  • صفحة البداية
  • التعريف
  • تقرير حقوقي لحرب صعدة
  • مركز التحميل
  • الـتسجيل
  • مركز التحميل
  • المنتدى
  • إضافة توقيع
  • راسلنا
     


  • المنبر الإخباري اليمني » الأخبار » الثقافة » القسم الثاني من كتاب هجرة الظالمين، للإمام القاسم بن ابراهيم الرسي (ع)


    طباعة الموضوع أخبر صديقك حفظ
    القسم الثاني من كتاب هجرة الظالمين، للإمام القاسم بن ابراهيم الرسي (ع)
    الأحد 11-07-2010 12:39 مساء

    إقرأه وارشد إليه فهو من المدخرات اليمنية
    [طرد النبي للمتشبهين بالنساء]
    فلم يكن صلى الله عليه يُسَاكِن، ولا يُجَاور ولا يقارن، إلا
    من آمن بالله، وكان ولياً لله، ولقد نفى صلى الله عليه غير
    واحدٍ من أهل ملته، ممن جاوره بفسوقٍ في محل هجرته، فمن ذلك
    مخنَّث كان في المدينة كان فيه لين وتكسير، فنفاه من المدينة
    إلى جبل من جبالها يقال له عير، فابتنى في ذروة الجبل كِنَّاً،
    وكان الجبل وعراً خشناً، فلم يزل ذلك الكنُّ له مسكناً حتى مات
    رحمه الله. وتوفي صلى الله عليه وآله، فلما حضر موته، وقد كانت
    حسنت توبته، حتى دُعي في أيام عثمان،

    القراءات: 1078
    التعليقات: 0
    المشاركات: 113
    التسجيل: الجمعة 21-03-2008
    مراسلة موقع

    ،ولا أحسبه إلا وقد دعي قبل ذلك فيما كان لأبي بكر وعمر من الأيام، إلى
    المدينة والتحول إليها وترك المقام، فكان يقول لكل من قال له ذلك كلا والله،
    لا أزول عن موضع صيرني إليه رسول الله، حتى تنقضي فيه حياتي، وتحضرني به
    وفاتي، فقال له عند الموت بعض الصالحين: يا فلان أتحب أن نحدرك من هذا الجبل
    الوعر فندفنك مع المسلمين، فقال: لا تدفنوني والله إلا بحيث صيرني رسول الله
    صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقبره ومسكنه الذي كان يسكنه معروفان اليوم بظهر
    الجبل.
    مع ما حكم به صلوات الله عليه من نفي الزاني البكر سنة، مع ما حكم الله به على
    المحاربين بالنفي ففي ذلك كله عبرة لمن يعقل بَيِّنة، وقد قال الله سبحانه،
    لرسوله صلوات الله عليه ورضوانه:﴿لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذا
    لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً﴾[الإسراء:
    74]، وقال: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون
    الله أولياء ثم لا تنصرون﴾[هود: 113].
    والركون، فقد يكون السكون، فأي ركونٍ أركن، أو سكون أسكن، بعد الإخاء
    والمحآبَّة، من الجوار والمساكنة، فمن جاور وساكن، فقد ساكن وراكن، عند من
    يعرف لسان العرب، فضلاً عما في ذلك من بيان الرب، جل ذكره، وعز أمره.
    هذا حكمه جل ثناؤه على رسوله فيمن كَفَرَه، وتعدى أمره، فلو سهَّل الله سبحانه
    لأحد في هذا أو مثله، لسهَّل لرسوله صلى الله عليه وعلى آله، ولكان رسول الله
    صلى الله عليه أولى بالتخفيف فيه والتسهيل، فاسمعوا - هُديتم - لما حكم به من
    الهجرة في الوحي والتنزيل، على الرسول صلى الله عليه وعلى المؤمنين، وما أمره
    به وإياهم من مهاجرة الظالمين، قال الله لا شريك له، وهو يأمر رسوله صلى الله
    عليه وعلى أهله، بالصبر على ما حَمَّله، وعلى ما يقول أهل الكفر
    له:﴿واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلا﴾[المزمل: 10]،
    فأنزل الله عليه بمهاجرته لهم أمره تنزيلاً .
    ومن الهجر لهم الجميل، ما أمر الله به في الوحي والتنزيل، من النقلة عنهم،
    والبعد والإنتياء منهم، وهو صلى عليه كان فيه أولهم، وأسبقهم في الهجرة لهم؛
    لأنه عليه السلام هاجر قبلهم، والبلد يومئذٍ بلده، وبها أهله ومولده، مؤثراً
    في ذلك كله لله بهجرته، وصائراً إلى أمر الله له بذلك وخيرته، وما ذكرنا من
    أمر الله سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وعلى آله، بالهجرة للظالمين، فما لا
    يجهله والحمد لله علماء المؤمنين، ولا يحتاج في ذكره إلى تكثير، لما فيه من
    الغناء عن كل تفسير؛ لأنه تنزيلٌ من الله غير تأويل، فبيانه عند من وفقه الله
    بيان التنزيل.
    [الهجرة واجبة في كل الديانات]
    ومن تشديد الله لفريضته في المهاجرة للظالمين وتأكيدها، أن الله سبحانه لم
    يجعل للمؤمنين ولاية لمن لم يقم بها ويؤدّها، فقال سبحانه: ﴿إن الذين
    آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا
    أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى
    يهاجروا﴾[الأنفال:72]، فمنع سبحانه المؤمنين من ولايتهم وإن آمنوا، إذا
    أقاموا في دار عدوّه فلم ينتقلوا ولم يظعنوا، وأبى تبارك وتعالى لأوليائه، أن
    يُوالوا ـ وإن آمن ـ من لم يهاجر دار أعدائه، نظراً منه سبحانه للأولياء،
    وتطهيراً لهم عن مجاورة الأعداء.
    وهل رأيتم من يجاور عدوه وهو يجد من جواره بُدّاً ؟! إلا أن يكون ممن لم يهبه
    الله توفيقاً ولا رُشداً، وهل رأيتم لبيباً مجاوراً للسباع ؟! وهو يقدر منها
    على الامتناع، أو مقارباً للأفاعي وأولادها، وله سبيل ومنتدح إلى إبعادها،
    فَبِكمَ ترون من ظلم وتعدى، أضر وأخبث وأردى، مقاربة - والله المستعان -
    ومجاورةً، وأكثر لمن جاوره نكاية ومضرةً، وإن من ظلم وكفر وفجر ليضرك وإن نحا،
    فكيف يُحَالُّ فيما كان له منزلاً وبلداً وملجا، إن هذا لضلال - والحمد لله -
    ما يخفى، وجفآءٌ في دين الله لا يأتيه إلا من جفا.
    ولقد قرأنا مع ما علَّمنا الله في التنزيل، ما في أيدي هذه النصارى من
    الإنجيل.
    فإذا فيه: أن طائفة من الأشرار، أبناء الظلمة والفجار، جاءوا يطلبون التوبة
    للرياء، إلى يحيى بن زكريا، صلى الله عليه، فقالوا له: طهرنا فقد تبنا إلى رب
    السماء، بما تطهر به التائبين من الماء، وكان يحيى صلى الله عليه، إذا صار
    إليه، أحد مطيعاً لله ومجيباً، أو تائباً إلى الله منيباً، أمره بالاغتسال من
    نهر الأردن، وكانت تلك سيرته صلى الله عليه فيمن آمن . فقال للذين أتوه
    كاذبين، إذ لم يكونوا بالحقيقة تائبين: يا أولاد الأفاعي إيتوا بثمرة، تصلح
    للتوبة والتطهرة، فطردهم ولم يرهم أهلاً للتطهرة، فهذا أيضاً والحمد لله من
    دلائل الهجرة.
    أَوَ ما سمعتم نهي رب العالمين، عما ذكرنا من جوار الظالمين، إذ يقول سبحانه
    لعباده المؤمنين: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا
    يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر
    قد بينا الآيات لقوم يعقلون﴾[آل عمران: 118]. وتأويل ﴿من
    دونكم﴾، هو من غيركم، يقول سبحانه: ﴿لا تتخذوا بطانة﴾ من
    غير أهل دينكم، والبطانة في المقارنة هم القرناء، كما البطانة في المخادنة هم
    الخدناء، فمن قارن أحداً في المحل فهو له بالمجاورة بطانة وقرين، كما أن من
    خادن أحداً بمحلٍ هو له بالمخادنة بطانة وخدين، وإنما قيل للبطانة بطانة؛
    لأنها مخآصة ومقارنة، فنهى الله سبحانه المؤمنين، أن يتخذوا الظالمين، أخلاء
    أو خُدَناء، أو جيرة أو قرناء؛ لأن من لا يدين دينهم لا يألونهم خبالاً، وإن
    لم يظهروا لهم حرباً ولا قتالاً؛ لأنهم يرجعون أبداً بهم وفيهم، عيوناً ذاكيةً
    لعدو الله عليهم، يجادلونهم بالباطل ليدحضوا به حقهم ودينهم، ويعارضونههم فيه
    بزخرف القول ليوهنوا به علمهم ويقينهم، فبعلمٍ من عليم، وتقدير من حكيم، ما
    نهاهم الله عن موالاتهم ومخآلَّتهم، ومنعهم من مجاورتهم ومحآلَّتهم.
    وفي ترك مقاربتهم وإيجاب مجانبتهم، وما أمر الله به الرسول صلى الله عليه
    والمؤمنين من مهاجرتهم، ما يقول الله سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وعلى آله:
    ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواْ وغرتهم الحياة الدنيا وذكر
    به﴾[الأنعام: 70]، يقول سبحانه بمهاجرتك لهم، ففيها تذكير لمن يعقل
    منهم، إن أبصر هداه ورشده، أو كان شيء من الخير عنده، ولا تجلس معهم، ولا
    يجمعك من المقاعدة ما يجمعهم، إذ كانت مقاعدهم مقاعد لهوٍ ولعبٍ واستهزاءٍ،
    فإن ذلك إذا كان كذلك يمنعهم من الذكر لما تذكِّرهم به من الأشياء، وفي تركك
    لهم وإعراضك عنهم، ما فيه تذكير لمن عقل منهم، ولم يذر الظالمين مَنْ جاورهم،
    وحلَّ وسكن دارهم.
    وفي جدالهم، وزخرف أقوالهم، ما يقول سبحانه: ﴿ويجادل الذين كفروا
    بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزؤاً﴾[الكهف: 56].
    وفي من ذُكِّر بآيات الله فلم يذكر، وبُصِّر نورها فلم يبصر، ما يقول الله لا
    شريك له: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه
    إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً وإن تدعهم إلى الهدى
    فلن يهتدوا إذاً أبداً﴾[الكهف: 57].
    [وعيد الله للمعرضين]
    ثم أخبر سبحانه عن اغتماده واغتفاره الذي هو احتماله، وعفوه وتغمده ورأفته
    ورحمته وإفضاله، في ترك المعاجلة بعذابه ونقماته، لمن أعرض عما ذُكِّر به من
    آياته، فقال سبحانه: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا لعجل لهم العذاب
    بل لهم موعدٌ لن يجدوا من دونه موئلاً﴾[الكهف: 57]، فمن أشد إعراضاً عن
    آياته ؟!‍‍ وما أوضح بها وفيها من بيناته، ممن جهل فرض الله عليه فيها، أَوَ
    ليس هذا هو الذي لم يلتفت قط إليها ؟‍‍! بلى إنه لهو ذلك، وإن لم يكن عند من
    لا يعقل كذلك .
    وقد جهل قوم ما قلنا به في الموالاة، وما زعمنا أنه منها من القرب والمداناة،
    بالجوار والمحآلَّة، والخلطة والمعاملة، وقد يقال للقوم إذا تتابعوا جميعاً في
    مجيء، أو قالوا كلهم قولاً واحداً في شيء: إنهم جميعاً لمتوالون فيه، وفي
    المجيء إلى البلد: إنهم لمتوالون عليه. وإذا جاؤوا متتابعين، قيل: جاؤوا
    متوالين، وكذلك يقال للقوم إذا دخلوا أرضاً، وكان بعضهم مجاوراً فيها بعضاً،
    إنهم بالجوار لمتوالون فيها، كما يقال: إذا ساروا إلى الأرض إنهم لمتوالون
    إليها. وكما يقال للمُتَاصَفِينَ: إنهم أصفياء المودة والصفاء، كذلك يقال
    للمتوالين: أولياء في المقاربة والولاء، وقد قال الله تبارك وتعالى في أهل
    الكتاب من اليهود، إنهم أولياء لأهل الكفر والشرك والجحود.
    فاسمعوا لقول الله سبحانه لرسوله في بني إسرائيل، وما وقَّفَه عليه من ذلك في
    التنزيل: ﴿وترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا منهم لبئس ما قدمت لهم
    أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، ولو كانوا يؤمنون بالله
    والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم
    فاسقون﴾[المائدة: 80 ـ 81]، يقول سبحانه لو كانوا يؤمنون بالنبي الذي
    كان فيهم، وبمن صار من أنبياء الله ورسله صلى الله عليهم إليهم، لما والوا
    عدواً مشآقاً، ولا أدخلوا عليهم إذ كانوا أعدءاً للرب مرفقاً، بمخالطة منهم
    لهم ولا معاملة، ولا بمجاورة لأحد منهم ولا محآلّة، وقد تعلمون أن من ذكره
    الله سبحانه في هذه الآية بالتولي للكفار من اليهود، وإن كانوا قد نقضوا في
    أكثر الأمور ما بينهم وبين الله من العهود، فلم ينقضوا أنهم غير متولين للكفار
    في أديانهم، ولا راضين بعبادة ما كان الكافرون يعبدون من أوثانهم، ولا ما
    كانوا يشرعون في دينهم من الشرائع، ويفترون على الله فيه من الشنائع، في أكل
    الميتة والدم، وما كانوا يحلون من كل محرَّم، بل كانوا لهم في ذلك مخالفين،
    ولعملهم فيه من القالين، ولكنهم كانوا لهم موالين، وإن لم يكونوا لدينهم
    قائلين، وكانوا لهم على دينهم من العائبين، ولهم في أنفسهم من المعادين،
    ولكنهم كانوا أولياء لهم بالنصرة والموآدَّة، وبما ذكرنا من الجوار والمعاملة
    والمقاعدة.
    أفلا ترون كيف جعلهم رب العالمين، بموالاتهم لمن ظلم من الظالمين ؟! فأثبت
    سبحانه عليهم في الحكم، أنهم عنده كَهُم في الظلم، وأنهم منهم بموالاتهم لهم،
    وإن كانوا بُرَأَآءُ منهم في شرائع دينهم، وجاهلين بأكثر أقاويلهم، لا يعملون
    منها حرفاً، ولا من أوصافهم فيها وصفاً، فلذلك كان من الموالاة، ما ذكرنا من
    القرب والمداناة، التي منها المجاورة والمحآلَّة، كما منها الإخاء والمخآلّة.

    ومن قارب شيئاً ودنا إليه، فهو غير شكٍ يليه، وكذلك في المحبة مَن وَالاكُم،
    فقد وآدَّكم وآخاكم. ومن ذلك حرم الله سبحانه المجاورة والمداناة، إذا كانت
    بين أهلها مقارنة وموالاة، ففرض الله على نبيه صلى الله عليه وعلى المؤمنين
    الهجرة لدار مَن كفر به، ولم يَصِر إلى القبول عنه لما جاء به من ربه، ولِمَن
    هاجر - يومئذٍ من المؤمنين عن الدار، وما أمر الله بهجرته من الكفار، وقِبَلهم
    وفيهم، وعندهم ولديهم - الأموال والديار العامرة، والأبناء والأهلون والقرابة
    الناصرة، فألزمهم الله لذلك كله الهجرة، وأوجب عليهم لدينه ولأنفسهم النصرة،
    وأبقى الهجرة بعدهم، لمن سلك قصدهم، شريعةً ثابتةً قائمة، وفريضة للمؤمنين
    لازمة دائمة.
    [الهجرة شرط الإيمان]
    ولم يجعل سبحانه للمؤمنين حقاً، وحقيقة في الاسم وصدقا، ولم يوجب مغفرة ورزقاً
    كريماً، ولم يجعل برحمته فوزاً عظيماً، إلا لمن هاجر لله وفيه، وخرج من بيته
    مهاجراً إليه.
    وفي ذلك ما يقول الله سبحانه في تنزيله، وما بَيَّن به في الهجرة من تفصيله:
    ﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك
    هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم﴾[الأنفال: 74]، ويقول سبحانه:
    ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع
    أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً﴾[النساء: 100]. فما استحقوا على
    الله سبحانه جزاه، وإن آمنوا وجاهدوا حتى هاجروا في الله مَن عاداه، وزالوا من
    دار أهل مشآقَّته وعصيانه، وخرج كل مهاجر منهم عنهم هارباً إلى الله من
    أوطانه.
    فكيف يرجو النجاة عند الله، والفوز برضوان الله ؟! من لم يهاجر إلى الله كما
    هاجروا، أو يُؤْوِ وينصر كما آووا ونصروا، لا كيف إن فَهِمَ عن الله أو عَقَل
    !! أو عَلِمَ ما أوحى الله في ذلك ونزَّل!!
    أما سمع قول رب العالمين، إذ يقول سبحانه للمؤمنين: ﴿فما لكم في
    المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن
    يضلل الله فلن تجد له سبيلاً، ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً فلا
    تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث
    وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيرا﴾[النساء: 88 ـ 89]، ومن
    المنافقين، يومئذٍ لبعضِ المؤمنين، أبٌ وقريبٌ، وجارٌ وحبيبٌ، وعون وظهير،
    وولي ونصير، يوالي بعض المؤمنين في حربه ويناصره، ويعاونه على عدوه ويظاهره.
    فلما نزلت على المؤمنين يومئذٍ البرآءة منهم، ونهوا عن المقاعدة لهم، وقطع
    الله الولاية بينهم وبينهم، وأمروا بالاعراض عنهم، افترقوا بالرأي فيما حكم به
    عليهم في المنافقين فرقتين، وصاروا كما قال الله تبارك وتعالى فيهم طائفتين،
    فطائفة تأسى على ما فاتها من نصرهم، وما كان يدخل عليها من المرافق بهم، في
    المداينة والاسلاف، والمجاورة والائتلاف . وطائفة عَرِيَّة عنهم، قد قطعت
    الآمال منهم، والتي أسِيَت من المؤمنين عليهم تمنى لهم الهدى، والطائفة الأخرى
    فإنما تراهم حرباً وأعدا، وكل المؤمنين وإن اختلفوا فيهم، فقد قاموا بحكم الله
    في العداوة لهم عليهم، لا يعدلون بأمر الله لهم فيهم أمراً، ولا يتخذون منهم -
    كما قال الله عز وجل - ولياً ولا نصيراً، فنهاهم الله سبحانه عنهم، وجعل من
    تولاهم منهم، ومنافقاً مثلهم، بولايته لهم، ثم أمر سبحانه بقتل الفريقين، إذ
    كانا جميعاً منافقين، ومنع سبحانه من آمن به وبكتابه، وكان قابلاً لحكمه
    وآدابه، أن لا يتخذوا من الفريقين ولياً ولا نصيراً، أو يستظهروا منهم عوناً
    أو ظهيراً، تعزيزاً منه سبحانه للمؤمنين بأمره، واكتفآء لهم من غيره بنصره.
    وفي ذلك ما يقول الله سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وعلىأهله، ﴿يا أيها
    النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾[الأنفال: 64]، فجعل له سبحانه
    فيمن اتبعه، وكان في طاعته معه، كفاية وعزاً، ومنعةً وحرزاً، والحمد لله الذي
    لا يُذِل أولياءه، ولا يُعِزّ أبداً أعداءهُ.
    وفي الهجرة وذكرها، وما عظَّم الله من قدرها، ما يقول سبحانه: ﴿إن
    الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفورٌ
    رحيم﴾[البقرة: 218]، فكأنه لا يرجو رحمة الله، إلا من هاجر لله وفي
    الله.
    ومن الهجرة وفيها، ومن الدلائل عليها، قول الله سبحانه:﴿وألوا الأرحام
    بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين﴾[الأحزاب: 9].
    فلم يوجب بينهم بالأرحام ولآءً وإن كانوا إخوة وقرباء، بل وإن كانوا أمهات
    وآباء، إلا أن يهاجروا دار من كان لله عدواً، ولا يتبوأوا معه في محل متبوّأ.
    ومن ذلك وفيه، ومن الدلائل عليه، قول الله سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وعلى
    آله:﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت
    يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك
    اللاتي هاجرن معك﴾[الأحزاب: 50]، فلم يحل له من بنات عمه وعماته، وبنات
    خاله وخالاته، إلا من هاجر معه ما هاجر، وزال عن دار مَن كَفَر.
    مع التي ليس فيها إحالة، ولا بعدها لمؤمن ضلالة، من العلم بهلكة من لم يهاجر
    دار من أمره الله بمهاجرته، وأقام مجاوراً لمن منعه الله من مجاورته، ممن
    اعتذر عند حضور وفاته إلى الملائكة، بالضعف في الأرض التي كانوا فيها وما خشوا
    من أهلها على أنفسهم من الهلكة، ففي ذلك أكفى الكفاية، لمن له في نفسه أدنى
    عناية، قال الله سبحانه: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا
    فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا
    فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً﴾[النساء: 97]، فاعتذروا في
    الجوار لمن ظلم عند مسآءلة الملائكة لهم عن أمرهم، بما لم يقبله الله جل ثناؤه
    ولا الملائكة صلوات الله عليهم من عذرهم، وردت عليهم الملائكة في ذلك رداً
    محكماً فصلاً، جعله الله لرضاه به وحياً منزلاً، فقالت الملائكة عليهم السلام:
    ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾، وقال الله لا شريك له
    لهم: ﴿فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً﴾، فلم يجعل الله سبحانه
    لهم في جوار أعدائه عذراً ولا تعذيراً، وجعل جهنم لهم مصيراً وداراً، ولم
    يزدهم عذرهم عنده إلا تباراً، فأي كفاية أو شفاية أشفى، لمن أراد شفاء من هذا
    لمن يسمع و يبصر ويرى، فنحمد الله على ما بيّن في الهجرة من الحق والهدى، فأمر
    به وفرضه من مهاجرة مَن ظَلَم وتَعدَّى.
    مع ما في سورة الامتحان، في الهجرة من التأكيد والبيان، فقال الله لا شريك له:
    ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم
    بالمودة﴾ [الممتحنة: 121]، فإنما كان إلقاء بغير التقاء ولا مقاعدة،
    بكتابٍ كتبه، فيما قالوا: حاطب ابن أبي بَلْتَعَة، فقال عمر: اتركني يا رسول
    الله أقتله فقد كفر بمكاتبته، فمنع رسول الله عمر مما أراد بحاطب من القتل
    لرجعته وتوبته، وكان رسول الله صلى الله عليه في ذلك بحكم الكتاب، أعلم من عمر
    بن الخطاب.
    ثم أكَّد في السورة على المؤمنين أشد تأكيد، وردد نهيه عن موالاة من كفر
    ترديداً بعد ترديد، وأخبرهم أن الأرحام وإن كانت بينهم، فإنها غير نافعة في
    يوم القيامة لهم، وكل محل ودار، كان أهلها كفاراً أو غير كفار، إذا كانوا
    أعداء لله وكان الحكم في الدار حكمهم، وكانت داراً ظاهراً فيها ظلمهم، فهجرتها
    مفترضة واجبة، وحلولها هلكة معطبة، وبذلك وله، ولما ذكرنا منه، هلكت القرون
    والأمم، ودمرت القرى والمدن، إذ لم يكن فيها إلا ظالم معتدٍ، ومجاور لمن ظلم
    غير مهتد، فلم يستحق الهلكة والتدمير من الفريقين إلا مذنب مجرم، يستوجب أن
    ينزل به من الله جل ثناؤه التدمير والنقم.
    [هلاك جبابرة الأمم]
    فاسمعوا لخبر الله عمن دمر بالظلم من القرون والقرى، فإن به عبرة وموعظة شافية
    لمن يبصر ويسمع ويرى، قال الله سبحانه: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا
    مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً، وكم أهلكنا من القرون
    من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً﴾[الإسراء:16-17]، فخص
    الله مترفيها بالذكر في الفسق، وإن كان كل أهلها فساقاً في حكم الحق؛ لأن
    أهلها إنما هم مترف أو جبار، أو مُساكن لهم وجار، فكلهم فاسق عن أمر ربه، وكلٌ
    فإنما أُخِذَ بذنبه.
    وفي تذكير الله بإهلاكه للقرى، ما يقول الله سبحانه مذكراً، ﴿واسألهم
    عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم
    سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون، وإذ قالت
    أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى
    ربكم ولعلهم يتقون، فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا
    الذين ظلموا بعذابٍ بئيسٍ بما كانوا يفسقون﴾ [الأعراف: 163 ـ 165]،
    فكان أهل القرية ثلاثَ فرق، نسبها الله إلى العتاء والفسق، وفرقة من الفرق
    الثلاث معذرة مقصرة، وفرقة منهن واعظة ناهية مذكرة، تنهى من عتا، عن الفسق
    والعتاء، وتذكر بما يجب لله من الطاعة والرضى، فلم يذكر الله تبارك وتعالى في
    خبره عنهم، أنه جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله، أنجا منهم، إلا من أمر
    ونهى، وكان واعظاً منبهاً، وداعياً لهم إلى الله مُسمِعاً، ومُقِبِّحاً لعتاهم
    مُشَنِّعاً، لم يذكر سبحانه عمن خلًّصه وأنجاه، أنه أقام مع مَن وعظه ونهاه،
    في محل الفسق والعتا، ولا أسبت معهم في قريتهم سبتاً، ولا استحل فيها لهم
    جواراً، ولا قر معهم فيها بعد العتاء قراراً.
    وكيف يقيمون معهم في القرية، مع ما أظهروا لله فيها من المعصية، يرونها فيها
    عياناً، ويوقنون بها إيقاناً، لَلَّهُ كان أجل في صدورهم جلالاً، وأكبر في
    نفوسهم أمراً وشأناً، من أن يجاوروا مَشآقِّيه ومَعاصيه، أو يقيموا جيراناً
    لمن يشآقِّه ويعصيه، وهم لو ـ جاورهم جارٌ في أنفسهم بما يسخطون، أو بكثير من
    الأذى والمكروه هم له ساخطون، لا يقدرون له على دفاع، ولا منه إلى امتناع ـ
    لما أقاموا ساعةً واحدةً معه، ولا سيما إذا كان لا يقدر أحد منهم على أن
    يدفعه، فكيف بمساخط الله التي هي في صدورهم أعظم، ولقلوبهم أحرق وآلم، ما يحل
    توهم ذلك عليهم، ولا نسبة شيء منها إليهم، والحمد لله رب العالمين، ونعوذ
    بالله من مجاورة الظالمين.
    وفيما ذكرنا من هلكة القرى، ما يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وكأين من قرية
    أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد﴾[الحج:
    45]، فذكر سبحانه إهلاكه لكل من كان في القرية من ضعيف أو شديد، إذ لم يكن في
    القرية إلا جبارٌ أو جارٌ، وكلٌ فقد حقت عليه من الله الهلكة والدمار؛ لأنهم
    كلهم لله عصاة، وعن أمره جل ثناؤه عتاة، جبارها بتجبّره واستكباره، وجارها
    بمحآلَّته للظالمين وجواره، فكلٌ أهلكه الله بكسبه، وأخذه الله بجرمه وذنبه،
    كما قال سبحانه: ﴿فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم
    من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله
    ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾[العنكبوت: 40]، وقال سبحانه:
    ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض
    ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون، أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا
    بياتاً وهم نائمون، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحىً وهم يلعبون،
    أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾[الأعراف: 96 ـ
    99].
    فينبغي لمن كان في قرية من القرى، غير معمولٍ فيها بما يحبّ الله ويرضى،
    الغالب على أهلها فيها الظلم والعتا، أن لا يأمن مكر الله وأخذَه لأهلها ضحىً
    أو بياتاً، ولا يغفل عما يتوقع من أمر الله فيها، من حلول نقمه بها وعليها،
    وإن أُمْلِيَتْ فأطيل لها الإملاء، فإن بالغفلة يهلك فيها الغُفَلاء.
    وربما أملى الله لقرية فأطال، وهو يرى فيها الظلم والضلال، كما قال سبحانه:
    ﴿وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة، ثم أخذتها وإليّ
    المصير﴾[الحج: 48]. ففي هذا وأقل منه موعظة لمن يعقل ويبصر،
    ﴿وما يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا
    الحرور﴾[فاطر: 21]، كما قال العزيز الغفور، ولعل مَن عَمِيَ قلبُه، وضل
    فلم يرشد لُبُّه، كما قال الله سبحانه: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن
    تعمى القلوب التي في الصدور﴾[الحج: 46]، أن لا يبصر ما فَصَّل الله في
    هذا الباب من الأمور.
    فنقول: إنما نزلت نقم الله وعذابه، وحل تدميره وعقابه، على من أشرك به، ولم
    يقرّ بربه، فأما نحن فمقرون، وأولئك كانوا يكفرون، ففي قول من قال ذلك لمن
    يعقل عجب العجب، لما فيه على الله من الافتراء والكذب، أو لا يرى من زعم ذلك
    وقاله، وزُيِّن له فيه مقاله، أن الله سبحانه عذَّب قرية أهل الاعتداء في
    سبتهم، على ما ركبوا فيه وما مسخهم الله به من معصيتهم، التي لم يخلطها منهم
    لله ولا لشيء من دينهم إنكار، ولم يأت لشركهم في مسخ الله لهم بمعصيتهم من
    الله ذكر ولا إخبار، بل إنما عظَّم الله سبحانه عصيانهم، وذكر في سبتهم
    عدوانهم، لإقرارهم فيه على أنفسهم بالتحريم، ولما كانوا عليه للسبت من
    التعظيم، وبتعظيم الله له وتعظيم رسله عندهم في دينهم عظَّموه، وبما حرَّمت
    عليهم رسل الله حرَّموه.
    ولو كان لا يهلك، إلا منكر أو مشرك، كان ما ذكر الله من إهلاكه للقرى بالعدى
    والظلم، تلبيساً شديداً وحيرة في الفهم والعلم، لا يخاف الهلكة معه ظالم ولا
    مفسد، ولا طاغٍ مقر ولا متمرد، بل كان كل مَن فَسقَ وظَلَم، وطغى وتعدى وغشم،
    آمناً للغِيَر والنقم، في كل فسق وجرم.
    وإنما الشرك ضربٌ من ضروب الفسق والظلم، خصه الله بخاصة من الكبر والعظم، كما
    قال لقمان عليه السلام: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم
    عظيم﴾[لقمان: 13]، فخصه لقمان بما خصه الله به من التعظيم، وكل كبيرة
    سوى الشرك من المعاصي فقد خص الله أهلها فيها بالتظليم، والكبائر وإن اختلفت
    بأهلها فيها الشئون، فبالظلم وإن اختلفت هلكت القرى والقرون، ولذلك وبه، وما
    ذكرنا من قدره، ما يقول الله سبحانه: ﴿وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا
    وجعلنا لمهلكهم موعداً﴾[الكهف 59].
    وإن - فيما ذكر الله لا شريك له في سورة الطلاق، وما عظَّم فيها من خلاف أمره
    حتى في الفراق، والاشهاد عليه إذ كان بشاهدي عدلٍ، وما حكم به على المؤمنين في
    السورة كلها من حكمه الفصل، وما خَوَّفهم فيها به من ترك أمره وعهده ونهاهم
    فيها عنه من التقصير، وذَكَّرهم به في عُتُوِّ القرى عن أمره من التذكير -
    لدليلاً مبيناً، وعلماً يقيناً، بأنه يهلك القرى، إذا أراد وشاء، بالعتوِّ
    والفسوق والعدوان، وبكبائر الظلم والعصيان، إلاَّ أن يَدفع ذلك عنهم في الدنيا
    برحمته، ويؤخرهم بالعقاب فيه إلى يوم حشره وبعثته.
    فاسمعوا لقول رب العالمين، في ذلك للمؤمنين، بعد الذي أمرهم به، في السورة من
    أمره: ﴿وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً
    وعذبناها عذاباً نكراً، فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسراً، أعد الله
    لهم عذاباً شديداً فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله
    إليكم ذكراً، رسولاً يتلوا عليكم آيات الله مبيناتٍ ليخرج الذين آمنوا وعملوا
    الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجري
    من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً قد أحسن الله له رزقاً﴾[الطلاق: 8
    ـ 11]، فلما كان جميع من في القرية، لا يخلو من عامة أو خاصة متعدية، وكان أمر
    الله وأمر رسوله للعامة، في الخاصة المتعدية الظالمة، أن يجاهدوهم إن قووا
    وانتصفوا، ويهاجروهم وينتقلوا عنهم إن ضعفوا، فلم يفعلوا ما أمروا بفعله، كانت
    القرية كلها عاتية عن أمر الله وأمر رسله، فحل عذاب الله بذلك فيهم، ونزلت
    نقمات الله فيهم وعليهم، وكان كلهم ظالماً عاتياً فاستحقوا جميعاً الهلاك
    بظلمهم وعتائهم، وعصيانهم واعتدائهم، ولو كان الأمر في ذلك كما قال من لم
    يُهدَ فيه لرشده، ولم يُسدَّد في القول للهدى وقَصْدِه، لكان في ذلك من
    التجرية، لكل نفسٍ متعدية، ما تقل معه لله منهم الطاعة، ويعظم فيه عليهم
    الفساد والإضاعة، ولكن لم يأمر الله سبحانه في السورة كلها وينه، ولم يكن بما
    فيها من التذكير والتحذير واعظاً منبهاً، إلا لمن آمن من المؤمنين به، ولم
    يجحد بشيء من رسله ولا كتبه.
    فافهموا هديتم قوله سبحانه: ﴿ آيات مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا
    الصالحات من الظلمات إلى النور﴾، فإنكم إن تفهموا ذلك يَبِنْ لكم إن
    شاء الله ما التبس عليكم في كل ما ذكرنا من الأمور، وخرجتم ببيان الله فيه من
    ظلمات الهوى، إلى نور الحق والبر والتقوى.
    وفي قرى الفسق والعتا والظلم، وما أحل الله بها من الحطم القصم، ما يقول
    سبحانه:﴿وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين، فلما
    أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون، لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه
    ومساكنكم لعلكم تسألون﴾[الأنبياء ‎: 11 ـ 13]، فمن تأويل ﴿
    لعلكم تسألون ﴾، لعلكم تعرفون، وتقِرُّون أيها المترفون، المساكنون بما
    كنتم في مساكنكم من الظلم تعملون، فلما عرف كُبَرَاء القرية وضعفاؤها بظلمهم
    فيها أجمعين، قالوا: عند الاعتراف والاقرار آسفين متحسرين: ﴿يا ولينا
    إنا كنا ظالمين﴾[الأنبياء: 14]، قال الله لا شريك له: ﴿فما زالت
    تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين﴾[الأنبياء: 15].
    فكم وكم من نقمة، وقرية منقصمة، الظلم من أهلها والعدوان قَصَمَها، والفسق من
    ساكنها والعصيان حَطَمَهَا، قد نبأكم الرحمن نبأها، وخبَّركم في كتابه مهواها،
    وما به كانت هلكتها من الظلم وَرَداهَا، لتهاجروا فساقها وفسقها، ولتجانبوا
    أخلاقها وطرقها، ولتحذروا مثل الذي وقع بساكنيها ومجاوريها، إذ لم ينكروا
    الظلم من مترفيها وجباريها، فأصبحت الجبابرة مقصومة، ومدائنها بالهلكة محطومة،
    وجيرتها معها مدمرة، إذ لم تكن لظلمهم مباينة مُنكِرَة، وفي مثل ذلك ما يقول
    الله سبحانه: ﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن
    من بعدهم إلا قليلاً وكنا نحن الوارثين﴾[القصص: 58].
    [هجرة الأنبياء والرسل]
    ومن ذلك، ولذلك، ما يقول الله سبحانه لرسوله، صلى الله عليه وعلى آله:
    ﴿قل رب أما تريني ما يوعدون، ربّ فلا تجعلني في القوم
    الظالمين﴾[المؤمنون: 93 ـ 94]. لأن من كان مقيماً فيهم، وصل إليه ما
    وصل إليهم؛ لأنه لا يجاور أهل الظلم ويقيم فيهم إلا الظالمون الفاجرون، ولذلك
    يقول سبحانه:﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم
    يستغفرون﴾[الأنفال: 33]، يقول سبحانه: يعذبهم وهم يتوبون ويتورعون؛ لأن
    الاستغفار، هو التوبة من أهل الكفر والإقصار، فلم يقم أحد من المرسلين، بدار
    من دُور الظالمين، إلا مبايناً داعياً، ومنتظراً فيها لأمر الله مراعياً.
    ومِن قبلُ ما حكم الله به من الهجرة على رسوله وعلى المؤمنين، فقد حكم به على
    من مضى قبلهم من المرسلين، ومن تبعهم فكان معهم من عباده الصالحين، فقال في
    نوح صلى الله عليه، وما صيَّره سبحانه من الهجرة إليه: ﴿واصنع الفلك
    بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين
    وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون،
    فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم
    الظالمين﴾[هود : 37 ـ 38]، ثم أمره سبحانه أن يحمده على إنجائه له
    منهم، وما حكم به عليه من البعد عنهم، وكانت هجرته لهم قبل غرقهم على ظهر
    الماء، وفي الفلك بين الأرض والسماء، وقال صلى الله عليه: ﴿رب إن قومي
    كذبون، فافتح بينبي وبينهم فتحاً ونجني ومن معي من المؤمنين﴾[الشعراء:
    118]، فقال سبحانه: ﴿فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون، ثم أغرقنا
    بعدُ الباقين﴾[الشعراء: 19 ـ 120]، فأنجاه تبارك وتعالى منهم، وغرَّقهم
    بعد هجرته عليه السلام عنهم، فهاجر صلى الله عليه أهل الكفر والفسق، قبل ما
    أحلّه الله بهم من الهلكة والغرق، تأدية لفرض الله عليه في الهجرة لهم، وقد
    كان قادراً على أن ينجيه وإن أقام معهم، ويغرقهم بجرمهم، وبما ركبوا من كفرهم
    وظلمهم.
    وقال إبراهيم صلى الله عليه: ﴿إني ذاهبٌ إلى ربي
    سيهدين﴾[الصافات: 99]، وقال عليه السلام لأبيه، إذ أجمع من الهجرة على
    ما أجمع عليه، عند الرحيل والزوال، وعند ما جاءه له من السلام:﴿سلام
    عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً، وأعتزلكم وما تدعون من دن الله وأدعوا
    ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً﴾[مريم: 47 ـ 48]، فلما اعتزلهم وما
    يعبدون صلى الله عليه وأصنامهم، وفارق مهاجراً إلى الله دارهم ومقامهم، وهبه
    الله من إسحاق ويعقوب ما وهب، وهداه الله في مذهبه إذ ذهب، وقال سبحانه:
    ﴿فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً
    جعلنا نبياً، ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدقٍ علياً﴾[مريم:
    49 ـ 50]، فهاجر إبراهيم عليه السلام لله قومَه وبلده، وفارق في الله وطنه
    ومولده، وهجر صلى الله عليه أباه فيمن هجر، وهو صلى الله عليه كان أبرّ مَن
    بَرٍّ، فهجر أباه في الله طاعة لله، وتبرأ منه إلى الله، إذ تبيَّن له أنه عدو
    لله، فقال سبحانه فيه، صلى الله عليه، :﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه
    إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدوّ لله تبرأ منه إن إبراهيم
    لأواهٌ حليم﴾[التوبة: 114]، والأواهُ فهو الرحيم: والحليم فهو:
    الحكيم.
    وهاجر لوط صلى الله عليه إذ هاجر معه، ولم يسعه من الهجرة إلا ما وسعه، كما
    قال لا شريك له:﴿فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز
    الحكيم﴾[العنكبوت: 26]، وهاجر لوط صلى الله عليه بأهله ثانية، إذ كانت
    القرية التي كان فيها قرية طاغية، إذ جاءته ملائكة الله، فقالوا له عن أمر
    الله:﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحدٌ
    وامضوا حيث تؤمرون﴾[الحجرات: 65] . تأويل لا يلتفت منكم أحد: لا يعرج
    أحد منكم تلبيثاً، وسيروا كلكم جميعاً سيراً حثيثاً، وليس تأويل لا يلتفت، ما
    يظن العمي الميِّت، من الإلتفات في النظر، إلى ما وراء الظهر أو إلى ما عن
    الميامن والمياسر، ولكنه استحثاث واستعجال، كما يقول المستحث المعجال، إذا
    أنذر أحداً أو أرسله، فاستحثه واستعجله: لا تلتفت إلى شيء ولا تعرج له.
    ثم قال - من بعد قصة إبراهيم وأبيه - ربُّ العالمين، لرسوله ومن معه من
    المؤمنين: ﴿ما كان للنبي والذين معه أن يستغفروا للمشركين، ولو كانوا
    أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾[التوبة: 113]. فبيَّن
    سبحانه أن من والى من عاداه، فقد ضل عن حقه وهُداه، فمن جاور من ظلم وتعدَّى،
    وهو يجد من جواره بُدَاً، فقد قاربه بالمجاورة وداناه، ومن دانى أحداً كما
    قلنا فقد وَلِيَه وتولاَّه، والمقاربة كما قلنا فهي ولاية وإن لم تكن مؤاخاة،
    ولذلك ما طهر الله أولياءه من أن يجاوروا في دار ومحل أعداه، فأمر تبارك
    وتعالى لوطاً، إذ كان من هاجر عنه ظالماً مفرطاً، بالخروج عنهم والهجرة لهم،
    كما هاجر عن من كان قبلهم.
    وقال رب العالمين، لمن بعد إبراهيم من الرسل والمؤمنين: ﴿قد كانت لكم
    أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآء منكم ومما تعبدون
    من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا
    بالله وحده﴾[الممتحنة: 4]، وما آمن بالله ولا راقب وعيده ولا وعده، من
    والى أعدآءه، وكان متبوّأهم متبوأه، ولا أناب إلى الله ولا أسلم له، ولا قبل
    أمره وقوله:﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم
    لا تنصرون، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة
    وأنتم لا تشعرون﴾[الزمر: 54 ـ 55]، إذ من الاسلام والإنابة إليه،
    المهاجرة لعدوه فيه، كما لا يكون من أتاكم ولا ورد عليكم، مَن مشى بعض الطريق
    إليكم، فكذلك لا يكون عند الله منيباً مسلماً، من لم يكن للإنابة والاسلام
    مُكملاً مُسْتَتِمّاً.
    ألا تسمعون لقول إبراهيم صلى الله عليه والذين آمنوا معه، وكل من آمن به من
    المؤمنين واتبعه: ﴿إنا برءآء منكم﴾ فقدموا ذكر التبرِّي منهم،
    وذكر انقطاع الولاية والمجاورة بينهم، قبل ذكرهم لأوثانهم ومعبودهم، وما كفروا
    لله به فيها من شركهم وجحودهم، فكما يجب الاعتزال للضَّلال، فكذلك يجب
    الاعتزال للضُّلال، وكما تجب الهجرة للكفرة والفجار، فكذلك تحب الهجرة للفجور
    والكفار، فرحم الله عبداً اعتزل الضَّآلين وضلالهم، وهجر لله وفي الله
    الظالمين وأعمالهم، فإنه أَمر سبحانه باعتزالهم، كما أَمرَ باعتزال أفعالهم،
    ولم يعتزلهم مهاجراً ولا مجانباً، من كان لهم في دار ظلمهم قريناً أو
    مصاحباً.
    فليحذر أمرؤ - جاور مَن ظََلَم وحَآلَّه، وإن لم يفعل في الظلم أفعاله -
    أَخْذَ الله له وعقابه، وليذكر حكم الله عليه وكتابه، فقد سمع ما أنزل الله من
    ذلك وفيه، وما حكم به من هجرة الظالمين عليه، ففي أقل من(1) ذلك كفاية وغنى،
    ونورٌ لمن هداه الله وضياء، فقد جاءت من الله في ذلك كله البينة المضية، ووصلت
    إليه فيه سنن رسله وأوليائه المقبولة عند الله المرضية، التي جعلها الله
    سبحانه من بعدهم صلى الله عليهم تذكرة كافية، وحجة على كل من آمن بالله وموعظة
    بليغة شافية.
    [هجرة المؤمنين السابقين]
    وليسمع قول أصحاب الكهف إذ يقولون وهم هاربون، من قومهم في الله فارّون:
    ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من
    رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقاً﴾[الكهف: 16]، فذكر اعتزالهم لأشخاصهم
    وأبدانهم، قبل ذكرهم لاعتزال أصنامهم وأوثانهم، وكانوا معتزلين لهم هاربين
    منهم إلى كهف الجبل، مفارقين لله وفي الله الآباء والأهل، مهاجرين بذلك في
    الله، من كان عدواً لله.
    وأَمرُ الله سبحانه لبني إسرائيل بالخروج من قرى فرعون، ففيه بينه ظاهرة جلية
    في الهجرة لقوم يعقلون، قال الله لا شريك له لموسى وهارون صلوات الله عليهما
    ورضوانه: ﴿فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين * أن أرسل معنا بني
    إسرائيل﴾[الشعراء: 16 ـ 17]، وقال سبحانه: ﴿وأوحينا إلى موسى أن
    أسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون﴾[الشعراء: 52]، فأمرهم سبحانه بهجرة
    عدوّه وأخبرهم بأنهم سيتبعون، لتشتد عليهم فيما أمرهم به من ذلك المحنة،
    ولتعظم لهم ومنهم به في طاعتهم لله الحسنة، فلم يمنعهم خوفهم لفرعون وجنوده،
    من المضي لما عهد الله إليهم في الهجرة من عهوده، مع ما دخل من الخوف في
    اتِّباعه عليهم، وقال سبحانه بعدُ فيهم؛ إذ هاجروا - مع هائل الخوف في الله -
    مَن كان لله عدواً: ﴿فأتبعهم فرعون وجنوده بغياً وعدواً﴾[يونس:
    9].
    وقال سبحانه: ﴿فلما ترآءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا
    لمدركون﴾[الشعراء: 61]، يعني سبحانه: جماعة بني إسرائيل وجماعة القوم
    الظالمين، فلم يمنعهم هول الرؤية والمعاينة، وما طلبوا عند ذلك من الهلكة
    والمنازلة، عن النفاذ على ما أمروا به من المهاجرة، منطلقين بكليتهم، ونسائهم
    وصبيتهم، لا يلتفتون إلى شيء قد خرجوا ليلاً سارين، لظفر فرعون وجنوده خائفين
    محاذرين . فهذه - هديتم - عزائم الموقنين، بالمرجع إلى رب العالمين، فأما من
    ضَجَّعَه تربُّصه وارتقابه، وصرعه شكه وارتيابه، فما أبعده في الهجرة عن عزمهم
    !! وما صاروا به إليها من علمهم.
    وقال موسى صلى الله عليه، إذ عصته بنوا إسرائيل فيما عهد الله إليهم وإليه، من
    دخول الأرض المقدسة، وما اعتلُّوا به عليه من خوفهم لمن فيها من الجبابرة
    المُتعفرتة: ﴿رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم
    الفاسقين﴾[المائدة: 25]، سأل الله صلى الله عليه أن يفرق بينه وبينهم،
    إذْ أجمعوا جميعاً كلهم على ما يسخط الله منهم، إكباراً منه صلى الله عليه
    للمقام مع معصية الله فيهم، فكيف يُجَاوَرُ العاصون في أكثر الأحوال أُو
    يُصَار إليهم ؟!
    وفي ذلك ومثله، و[ما] رضي الله به من أهله، ما يقول الله سبحانه:﴿وما
    لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين
    يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل
    لنا من لدنك نصيراً﴾[النساء: 75]، فكفى بهذا كله وما تلونا منه في وجوب
    الهجرة بياناً وتنويراً.
    وما كان من موسى صلى الله عليه، عند رجعته إلى قومه في أخيه، إذ أقام مع
    العاصين في مكانهم، وهم مصرون لله على عصيانهم، ففيه عبرة لمعتبر، وبيان
    وموعظة لمدَّكر، قال الله سبحانه، لا شريك له:﴿ولما رجع موسى إلى قومه
    غضبان أسفاً قال بئس ما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ
    برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت
    بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين﴾[الأعراف: 150]، فأخذ صلى
    الله عليه برأس أخيه يجره إليه غضباً وأسفاً، وتغيظاً وتلهفاً، وإعظاماً
    وإكباراً، وتقبيحاً وإنكاراً، لمقامه معهم وبين أظهرهم، مع ما صاروا إليه من
    معصية الله في أمرهم، وهارون صلى الله عليه مباين لهم فيما هم فيه من عصيانهم
    وضلالهم، وما ارتكبوا فيما بينهم وبين الله من سيء أفعالهم، يأمرهم دائماً
    بالهدى، وينهاهم عما هم عليه من الضلالة والردى، يناديهم في إنكاره، وتقبيحه
    وإكباره، بصوتٍ منه صيِّتٍ رفيع، يسمعه منهم كل سميعٍ .
    فتمسك ـ صلى الله عليه في نفسه، ومن أطاعه من آله وغيرهم من قومه ـ بِعِصَمِ
    الحق والرشد والهدى، بريءٌ مما هم فيه من الضلالة والردى، يقول صلى الله عليه:
    ﴿يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا
    أمري﴾[طه: 90]، فما منعه ذلك كله من سخط موسى عليه، ولا من وثوبه صلى
    الله عليه إليه، يجره بلحيته ورأسه، وهارون في كُرَب أنفاسه، يعتذر في غمة
    كربه، وفيما نزل منه به، لما يراه هارون صلى الله عليه له عذراً، وعدوه من
    عصاة بني إسرآئيل يرى مِن فعلِ موسى به ما يرى، وهارون يعتذر إليه، صلى الله
    عليه، فما قَبِلَ موسى ذلك منه، ولكنه نبهه لما غفل عنه، فقال صلى الله
    عليهما:﴿يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني أفعصيت
    أمري﴾[طه: 93]، قوله:﴿أفعصيت أمري﴾ يدل على أن قد كان
    أَمَرَه، أن لا يقيم صلى الله عليهما مع من شآقَّ الله وكَفَرَه،
    وقوله:﴿ما منعك ألا تتبعني﴾، إذ عصوا ما منعك أن لا تتركهم
    وتلحقني، ﴿قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقولَ
    فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي﴾[طه: 94].
    فهل رأيتم هديتم من قولٍ أشبه بأن يكون عذراً من قول هارون واعتذاره، مع ما
    كان من أمره ونهيه وإنكاره، فلما علم موسى صلى الله عليه ذلك كله، وأن هارون
    صلى الله عليهما أَتَاه وفَعَلَه، وأن جميع ما فعل من ذلك وإن كان إحساناً،
    وكان لله تبارك وتعالى رضواناً، غير مقبول عند الله منه، وإن مقامه مع
    الظالمين ذنبٌ يحتاج إلى الله في العفو عنه، قال موسى بعد اعتذار هارون صلى
    الله عليهما إليه، واستعطافه بذكر أمه له عليه، إذ يقول:﴿ابن أم إن
    القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي ولا تجعلني مع القوم
    الظالمين﴾[الأعراف: 150]، فلم يستغفر موسى لهارون ذنبه، ولم يسأل العفو
    عنه ربَّه، حتى علم هارون أنه قد كان أخطأ في مقامه مع الظالمين، يرى ويعاين
    عصيانهم لرب العالمين، فعندما اعترف هارون بزلته في مقامه معهم، وتركه لاتباع
    موسى عندما رأى منهم، قال موسى صلى الله عليه: ﴿رب اغفر لي ولأخي
    وادخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين﴾[الأعراف: 151]، وقول موسى لهارون
    صلى الله عليهما، : ﴿أفعصيت أمري﴾ بَيِّنٌ أن قد كان أمره وقال
    له إن رأيت من القوم عمى، أو ضلالاً أو ظلماً، فلم يقبلوا قولك فيه، وأقاموا
    مصرين عليه، فالحقني، وآتني واتبعني، فهذا وجه قوله ﴿أفعصيت
    أمري﴾، يقول فأقمت مع مَن كَفَر وظَلَم، وجاورت مقيماً مع من أجرم.
    وفي موسى نفسه صلى الله عليه ومن كان معه وتبعه لميقات الله له من خيار بني
    إسرائيل، ما يقول الله تبارك وتعالى فيما نزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله
    من كتابه الحكيم:﴿واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم
    الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي
    إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت
    خير الغافرين﴾[الأعراف: 155]، فأخذتهم الرجفة، وحلت بهم من
    المعصيةالمخافة، وهم هم، ومع سخطهم لهم، فوصلت معرَّةُ العاصين منهم، إلى من
    قد زال عنهم، فلما أصابتهم الرجفة، ظنوا أنها الهلكة المتلفة، ولم تكن تلك
    الرجفة من الله لهم هلكة مدمرة، ولكنها كانت من الله لهم ولغيرهم من الأمم
    موعظة وتذكرة، نفعهم الله بها وأولياه، وذعر بها من الأمم أعصياه، رحمة من
    الله للمطيعين والعاصين، وموعظة للفريقين من رب العالمين، فتبارك الله فيها
    أحكم الحاكمين، والحمد لله بها وفيما كان منها لأرحم الراحمين.
    ومن ذلك وفيه، فخبر الله جل ثناؤه عن عيسى صلى الله عليه، بعد الذي كان من
    إخباره عن موسى صلى الله عليه، بما قد سَمِعَتْه عن الله آذانكم، وأحاط به
    يقيناً إيقانكم، من مهاجرته صلى الله عليه، وسياحته مهاجراً على قدميه، هارباً
    لسخطه في الله من بني إسرائيل، إذ لم يعملوا بما في أيديهم من التوراة ولم
    يقبلوا ما جاء به من الإنجيل، وأَبَوا إلا الكفر لنعمة الله، والمشآقَّة
    بعصيانهم على الله، فلما أحس عيسى صلى الله عليه كفرهم، وتوجس في إصرارهم على
    الكفر أمرهم، كما قال الله سبحانه: ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من
    أنصاري إلى الله﴾[آل عمران: 52]، يريد: من المهاجرُ معي إلى الله،
    والتابعون لي سياحة في سبيل الله، ولسياحته في الله، ونصيحته بها لله، سماه
    الله مسيحاً، وكان لله فيها نصيحاً.
    ولقد قرأنا مما في أيدي النصارى لعنة الله عليها، في كل ما عندها من أناجيلها:
    (أن عيسى ابن مريم، لما وجَّه في المدائن والأمم، للدعاء إلى الله حوارييه،
    قال لا تزودوا معكم زاداً، ولا تحملوا معكم فضة ولا ذهباً، وأي مدينة
    حللتموها، أو أمة دخلتموها، فلم تقبل منكم، ولم يسمع الحق عنكم، فأقلِّوا بها
    وفي أهلها مقامكم، وانفضوا من غبارها إذا خرجتم عنها أقدامكم، لكيما تكون
    شهادة لله عليهم، وحجة باقية من بعدكم فيهم، فخرجوا فكانوا يطوفون في المدائن
    والقرى، وينشرون أمر الله فيهم نشراً).
    ومن مثل ذلك وفيه، ما كان يقول صاحب إنجيلهم صلى الله عليه: ( للسباع مغارٌ،
    وللطير أوكار، وليس لي مأوى آوي إليه، ولا بيت أستكن فيه ) فأين هذا ومثله ؟!
    وما كانت عليه أنبياء الله منه ورسله، مِن جوار مَن ظَلَم وفَجَر، وساكن
    وكثَّر وعمر، لا أين والحمد لله!! والحجة البالغة فلله، ونستعين فيما وجب
    علينا في ذلك بالله.
    فالهجرة أمرها عظيم كبير، وفرضها في كتاب الله مكرر كثير، لا يجهله إلا جهول،
    ولا ينكره إلا مخذول، إلا أنه قد قَطعَ ذكرَها، وصغَّر قدرَها، وأَمْحَى
    عهودَها، وحل عقودَها، تحكُّم الناس على الله فيها، وتظاهُرهم بالمخالفة لله
    عليها.
    والمقام مع الظالمين في دارهم محرم، حكم من الله كما ترون أولٌ مقدمٌ، قد جرت
    به سنة الله قبلكم في الماضين، وسار به من قد مضى قبل رسولكم من المرسلين، صلى
    الله عليه وعليهم، في الأمم الذين كانوا فيهم.
    فكفى بهذا في وجوب الهجرة، وما حرم الله من جوار الظالمين والفجرة، نوراً
    وبرهاناً، وحجة وبياناً، لمن آثر الله على ما يهوى، ولم يَمِل مع هواه على
    التقوى.
    فأما من لا يصبر عما يجمع ديارالظالمين من الشهوة والفكاهات، وما يأوي إليها
    ويجتمع فيها من المجالس الملهيات، فما أبعده وأصدَّه، وأدفعه وأرَدَّه، للبيان
    فيما عطَّل من هذه الفريضة وبدَّل، وافترى في خلافها ومضآدَّتِها على الله
    وتقوَّل، فإلى الله المشتكى من ذلك وهو المستعان، فما بعد بيان الله في ذلك
    بيان، فيه شفاء لمشتف، ولا إكتفاء من مكتفٍ، وما بعد الحق إلا الضلال فأنى
    تصرفون، ﴿كذلك حقت كلمات ربك على الذين فسقوا أنهم لا
    يؤمنون﴾[يونس: 32 ـ 33].
    فاتقوا الله في الهجرة أيها الناس، فلا يقطعكم عنها الإلف والإناس، والمعارف
    والأحباب، والمجالس والأصحاب، والفكاهات والألعاب، والشك فيها والارتياب، فإن
    الله وملائكته أنسٌ لمن هاجر إليه، وقام لله من الهجرة بما يحب عليه، من كل
    إلفٍ وأنيس، وصاحبٍ وجليس، ورضى الله أرضى من كل رضى، وفرض الهجرة أوكد الفروض
    فرضاً، فلا تثقل عليكم الهجرة فإن من أيقن بالمرجع إلى الله والمعاد، خف عليه
    ثقل كل رشدٍ ورشاد، ومن أيقن بقصر مدته وبقائه، فكان مراقباً لأَجَلِه
    وانقضائه، لم يغترر بدنياه، ولم يلهه شيء عما أنجاه، وكان أبغض الناس إليه،
    مَن شَغَلَه عما ينجيه، أباً كان شاغله عن ذلك أو أخاً، ولم يعد شيئاً من
    دنياه سروراً ولا رخاءً، ولم يرغب فيما هو فيه من الحياة، إلا لما يطلب من
    النجاة، وكانت الدنيا ونعيمها عنده بلاءً، وما يستحقه الجاهلون منها ثقلاً،
    وغروراً كلها وكذباً، ولهواً في نفسه ولعباً، كما قال الله سبحانه:﴿ما
    الحياة الدنيا إلا لهو ولعبٌ وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا
    يعلمون﴾[العنكبوت: 64]، فحياة الدنيا عند من يعقل موت، ودركها وإن
    أُدرك فوتٌ، وهي كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: (الدنيا سجن
    المؤمن وبلاؤه، وجنة الكافر ورخاؤه) ليست بدار سرور لمن يعقل ولا أمن، ولكنها
    دار الفناء ودار الأذى ودار البلايا ودار الحزن، لا يغتر بها إلا مغرور، ولا
    يأمنها إلا مثبور، ظالم لنفسه جهول.
    تم كتاب الهجرة والحمد لله كما هو أهله ومستحقه.
    وصلى الله على رسوله الأمين، وأهل بيته الأكرمين، وسلم عليه وعليهم أجمعين.

    المشاركة السابقة : المشاركة التالية

    محرك البحث




    بحث متقدم

     
    القائمة البريدية

    اكتب بريدك الالكتروني لتصلك آخر أخبارنا

     
    أهم الاخبار
  • المكتب الإعلامي في تهنئة بحلول عيد الفطر المبارك
  • عاجل : الأمن السياسي ومجاميع من القاعدة يعتدون على المعتقلين والأسرى على ذمة حرب صعدة
  • المكتب الإعلامي ينفي اتهامات الداخلية ، وأمير قطر يؤكد:الموضوع انتهى على النقاط الخمس
  • الآلاف يحيون يوم القدس العالمي في محافظات صعدة والجوف وعمران استجابة لدعوة السيد عبدالملك الحوثي
  • الناطق الرسمي للحوثيين: سلمنا الشريط الحدودي كاملا للجيش اليمني
  • دعوة من السيد/ عبد الملك بدر الدين الحوثي لإحياء يوم القدس العالمي
  • خرقوه ولم يجف حبره! علي صالح يهاجم الحوثيين في كلمة له
  • الوهابية من الباب الخلفي!
  • توقيع اتفاق أولي بين الحوثيين والسلطة في الدوحة وعبدالسلام يؤكدعلى أولوية الجانب الإنساني والمعتقلين
  • حزب الحق يدين العدوان الذي يتعرض له الهاشميين في حوث
  • محمد عبدالسلام : مايجري في مدينة حوث تطهير عرقي وعنصري والسلطة تتحمل المسئولية
  • ما أنا بكاتب !!
  • المكتب الإعلامي للسيد عبدالملك الحوثي ينفي اتهام وزارة الداخلية لأحد عناصرهم بطعن مواطن!
  • نص حوار السيد عبدالملك الحوثي مع نشرة الحقيقة حول آخر التطورات
  • بيان من الأخ يحيى الحوثي،حول استخدام النظام للمساعدات الأجنبية لضرب المواطنين.